الشيخ محمد رشيد رضا

289

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الكتاب ويتبع شريعته جميع أنبيائهم حتى عيسى المسيح عليهم الصلاة والسّلام ولما تم بهذه السورة تفصيل ما أجمل في سورة البقرة من العقائد في الإلهيات والنبوات والبعث ناسب أن يذكر بعدها ما يتم ما أجمل فيها من الاحكام ولا سيما أحكام القتال والمنافقين ، وكان قد فصل بعض التفصيل في سورة النساء ، فكانت سورتا الأنفال والتوبة هما المفصلتين لذلك وبهما يتم ثلث القرآن وقد علم بما شرحناه أن ركن المناسبة الأعظم بين سورتي المائدة والانعام أن المائدة معظمها في محاجة أهل الكتاب والانعام معظمها بل كلها في محاجة المشركين ، ومن التناسب بينهما في الاحكام أن سورة الأنعام قد ذكرت أحكام الأطعمة المحرمة في دين اللّه والذبائح بالاجمال ، وسورة المائدة ذكرت ذلك بالتفصيل - وهي قد أنزلت أخيرا كما هو معلوم - ومن التفصيل في هذه المسألة ما في سورة الأنعام من الكلام على محرمات الطعام عند المشركين ، وما في المائدة من الكلام على طعام أهل الكتاب هذا ما أراه من وجوه التناسب في الكليات بين هذه السورة التي شرعت في تفسيرها وبين ما قبلها مباشرة وما قبلها وما بعدها مطلقا . ثم رجعت إلى ما ذكر في كتب التفسير من ذلك دون تصفح آيات السورة فرأيت في روح المعاني ما نصه : « ووجه مناسبتها لآخر المائدة على ما قاله بعض الفضلاء انها افتتحت بالحمد وتلك اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان كما قال سبحانه ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) وقال الجلال السيوطي في وجه المناسبة : انه تعالى لما ذكر في آخر المائدة ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ ) على سبيل الاجمال افتتح جل شأنه هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله ، فبدأ سبحانه بذكر خلق السماوات والأرض وضم تعالى اليه أنه جعل الظلمات والنور وهو بعض ما تضمنه ما فيهن ، ثم ذكر عز اسمه انه خلق النوع الانساني وقضى له أجلا وجعل له أجلا آخر للبعث ، وأنه جل جلاله منشئ القرون قرنا بعد قرن ، ثم قال تعالى ( قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ ) الخ فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان ، ثم قال عز من قائل ( وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) فأثبت انه جل وعلا ملك جميع المظروفات « تفسير القرآن الحكيم » « 37 » « الجزء السابع »